الشيخ محمد السند
213
تفسير ملاحم المحكمات
فالمديح في الرعاية التي هي الغاية لما ابتدعوه وليس للبدعة التي ابتدعوها والترهّب الذي ألزموا أنفسهم به . فقوله تعالى : ( إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ ) شرح للغاية التي قصدوها من هذه البدعة وهي الإيمان بسيّد الأنبياء ، فلا يستفاد من هذه الآية من سورة الحديد امتداح التشدّد والترهّب كما توهّم ذلك الكثير من المفسّرين فجعلوا مفاد الآية بأنّ تلك البدعة وإن لم يكتبها اللَّه عليهم ، إلّاأنّه امتدحهم عليها ، فتطابق آية الحديد وآية المائدة في ذمّ التشدّد والترهّب ، بعدما وُصِف في الآية الأولى بأنّه اعتداء . وكذا ما في قوله تعالى : ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) « 1 » ، فإنّه متطابق مع الآيتين على ما استظهر من لفظ ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ) أيثقلهم ، شبّه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل ، وذلك أنّ اللَّه سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً ، بينما جعل توبة هذه الامّة الندم بالقلب حرمة للنبيّ صلى الله عليه وآله ، والأغلال التي عليهم نظير قرض ما يصيبه البول من أجسادهم ، وأشبه ذلك من تحريم السبت ، وتحريم العروق في اللحم والشحوم ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، ووجوب القصاص دون الدية حتّى في الخطأ وغيرها . وهذا التشديد بعد أن شدّدوا على أنفسهم فشدّد اللَّه عليهم ، كما يشير إليه قوله تعالى : ( فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ
--> ( 1 ) الأعراف 7 : 157 .